فخر الدين الرازي

275

تفسير الرازي

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب أي لا عيب فيهم إلا هذا وهو ليس بعيب فلا عيب فيهم إذن بوجه من الوجوه ، فكذا ههنا لا يقدرون على الاتقاء بوجه من الوجوه إلا بالوجه وهذا ليس باتقاء ، فلا قدرة لهم على الاتقاء البتة ، ويقال أيضاً إن الذي يلقى في النار يلقى مغلولة يداه إلى عنقه ولا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه ، إذا عرفت هذا فنقول : جوابه محذوف وتقديره أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة كمن هو آمن من العذاب فحذف الخبر كما حذف في نظائره ، وسوء العذاب شدته . ثم قال تعالى : * ( وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون ) * ولما بين الله تعالى كيفية عذاب القاسية قلوبهم في الآخرة بين أيضاً كيفية وقوعهم في العذاب في الدنيا فقال : * ( كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ) * وهذا تنبيه على حال هؤلاء لأن الفاء في قوله : * ( فأتاهم العذاب ) * تدل على أنهم إنما أتاهم العذاب بسبب التكذيب ، فإذا كان التكذيب حاصلاً ههنا لزم حصول العذاب استدلالاً بالعلة على المعلول ، وقوله : * ( من حيث لا يشعرون ) * أي من الجهة التي لا يحسبون ولا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها ، بينما هم آمنون إذ أتاهم العذاب من الجهة التي توقعوا الأمن منها ، ولما بين أنه أتاهم العذاب في الدنيا بين أيضاً أنه أتاهم الخزي وهو الذل والصغار والهوان ، والفائدة في ذكر هذا القيد أن العذاب التام هو أن يحصل فيه الألم مقروناً بالهوان والذل . ثم قال : * ( ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ) * يعني أن أولئك وإن نزل عليهم العذاب والخزي كما تقدم ذكره ، فالعذاب المدخر لهم في يوم القيامة أكبر وأعظم من ذلك الذي وقع . والمقصود من كل ذلك التخويف والترهيب ، فلما ذكر الله تعالى هذه الفوائد المتكاثرة والنفائس المتوافرة في هذه المطالب ، بين تعالى أنه بلغت هذه البيانات إلى حد الكمال والتمام فقال : * ( ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون ) * والمقصود ظاهر ، وقالت المعتزلة دلت الآية على أن أفعال الله وأحكامه معللة ، ودلت أيضاً على أنه يريد الإيمان والمعرفة من الكل لأن قوله : * ( ولقد ضربنا للناس ) * مشعر بالتعليل ، وقوله في آخر الآية : * ( لعلهم يتذكرون ) * مشعر بالتعليل أيضاً ، ومشعر بأن المقصود من ضرب هذه الأمثال إرادة حصول التذكر والعلم ، ولما كانت هذه البيانات النافعة والبينات الباهرة موجودة في القرآن ، لا جرم وصف القرآن بالمدح والثناء ، فقال : * ( قرآناً عربياً غير ذي عوج لعلهم يتقون ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : احتج القائلون بحدوث القرآن بهذه الآية من وجوه الأول : أن قوله : * ( ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون ) * يدل على أنه تعالى إنما ذكر هذه الأمثال ليحصل لهم التذكر ، والشيء الذي يؤتى به لغرض آخر يكون محدثاً ، فإن القديم هو الذي يكون موجوداً في الأزل ، وهذا يمتنع أن يقال إنه إنما أتى به لغرض كذا وكذا ،